فخر الدين الرازي
179
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الزكوات ، وكما قلنا في أخذ الضمانات . وأما في إيجاب الدية على العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، لأن القرآن معلوم ، وخبر الواحد مظنون ، وتقديم المظنون على المعلوم غير جائز ، ولأن هذا خبر واحد ورد / فيما تعم به البلوى فيرد ، ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة جميع أصول الشرائع ، فوجب رده ، وأما الفقهاء فقد تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية : أما الخبر : فما روى المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا ، فقضى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على عاقلة الضاربة بالغرة ، فقام حمل بن مالك فقال : كيف ندى من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح ولا استهل ، ومثل ذلك بطل ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : هذا من سجع الجاهلية ، وأما الأثر : فهو أن عمر رضي اللَّه عنه قضى على علي بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها ، وعلي كان ابن أخي صفية ، وقضى للزبير بميراثها ، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة واللَّه أعلم . المسألة الثامنة : مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل . وقال الأصم وابن عطية : ديتها مثل دية الرجل . حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك ، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل ، فكذلك في الدية . وحجة الأصم قوله تعالى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة ، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية واللَّه أعلم . المسألة التاسعة : اتفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين : الثلث في السنة ، والثلثان في السنتين ، والكل في ثلاث سنين . استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا . المسألة العاشرة : لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية ، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض اللَّه تعالى . روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر : لا أعلم لك شيئا ، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه ، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها ، فقضى عمر بذلك ، وإذا قد ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ معناه فعليه تحرير رقبة ، والتحرير عبارة عن جعله حرا ، والحر هو الخالص ، ولما كان الإنسان في أصل الخلقة خلق ليكون مالكا للأشياء كما قال تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها ، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريرا ، أي تخليصا لذلك الإنسان عما يكدر إنسانيته ، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم : فلان يملك كذا رأسا من الرقيق ، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند الفقهاء ، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت ، وقد ذكرنا هذه المسألة . وقوله : وَدِيَةٌ / مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ قال الواحدي : الدية من الودي كالشية من الوشي ، والأصل ودية فحذفت الواو يقال : ودى فلان فلانا ، أي أدى ديته إلى وليه ، ثم إن الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ما يؤدى في بدل المتلفات ، ودون ما يؤدى في بدل الأطراف والأعضاء . ثم قال تعالى : إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد ، ومعنى التصدق الإعطاء قال اللَّه تعالى : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [ يوسف : 88 ] والمعنى : إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا